الظل الذي يتنفس: رحلة في متاهة الزمن المفقود

الظل الذي يتنفس: رحلة في متاهة الزمن المفقود

الرسالة التي لم تُرسل أبداً

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً عندما سمعتُ صوت الطَرْق. ليس طرقاً عادياً على الباب، بل نقرات خافتة تأتي من داخل الجدران نفسها، كأن شيئاً ما يحاول الخروج من قلب البيت. تجمدتُ في سريري، أصغي إلى هذا الإيقاع الغريب الذي يتكرر ثلاث مرات، يتوقف، ثم يعاود ثلاثاً أخرى. في اليوم التالي، وجدتُها: مظروف بني باهت ملقى على عتبة بابي الخشبي، دون طابع بريدي، دون اسم مرسل. بداخله رسالة كُتبت بخط يد يرتجف، مؤرخة بـ”28 يناير 2026″… وهو اليوم نفسه الذي كنتُ أعيشه.

بيت الأسرار المُهمَلة

لم أكن لأختار العيش في “دار الظلال” لولا الحاجة الماسة. بيت قديم على أطراف المدينة، بُني عام 1923 على يد تاجر توابل غامض اختفى دون أثر. الوكيل العقاري حذّرني بابتسامة متكلفة: “البيت هادئ بعض الشيء… أكثر من اللازم”. لم أفهم معنى كلامه حتى الليلة الثالثة.

بدأتُ ألاحظ التفاصيل التي تتجاهلها العين العادية: صورة عائلية معلقة في الردهة تظهر فيها ظلال إضافية خلف الأشخاص في كل مرة أنظر فيها. ساعة حائط نحاسية تدق الثالثة صباحاً دون توقف، رغم أنها متوقفة منذ عقود. والأغرب: رائحة الياسمين التي تفوح فجأة في الممرات، رغم عدم وجود نبتة ياسمين واحدة في الحديقة الميتة.

ذات مساء، بينما كنتُ أرتب الكتب القديمة في المكتبة، سقط مجلد مغبر عن رف عالٍ. لم يكن كتاباً، بل دفتراً يوميات لصاحبة البيت السابقة، السيدة ليلى النوري، التي عاشت هنا حتى عام 1978. كتبت في الصفحة الأخيرة بخط ممزق: “الظل ليس انعكاساً… إنه كيان يتنفس. ينتظر اللحظة التي يضعف فيها الحاجز بين العالمين. لا تفتح الباب الأسود خلف الخزانة مهما سمعتِ من بكاء طفل…”.

الهمس من وراء الزمن

لم أنم تلك الليلة. الجملة الأخيرة تطاردني: “البكاء”. في الحقيقة، كنتُ أسمع منذ أسبوعين صوت بكاء خافت ينبعث من الجدار الشرقي، لكنني ظننته خيالاً من وحدتي. الآن، أصبحتُ متأكداً: هناك شيء ما خلف ذلك الجدار.

إقرأ أيضا ..  قصة جون داروين: رحلة اختفاء وغش تمتد لخمس سنوات

باستخدام مطرقة صغيرة، بدأتُ أنقب بحذر في الجدار خلف خزانة الملابس القديمة. تحت طبقة من الجص المتشقق، اكتشفتُ باباً خشبياً صغيراً، لا يزيد ارتفاعه عن المتر، مغطى برسومات غريبة تشبه عيوناً مغلقة. على عتبته، نقوش بالعربية القديمة: “من فتح الباب، فتح لنفسه طريق العودة… لكنه لن يعود وحده”.

في تلك اللحظة، توقف الهمس فجأة. ساد صمت ثقيل، ثم بدأ الصوت من جديد—ليس بكاء طفل هذه المرة، بل همس واضح يناديني باسمي: “يوسف… افتح… نحن ننتظرك منذ زمن”.

ارتجفت يداي. كيف عرف اسمي؟ لم أحد في هذه البلدة يعرف اسمي بعد!

عتبة العوالم المتوازية

لم أستطع المقاومة. الفضول قتلني كما قتل السيدة ليلى قبل أربعة عقود. دفعتُ الباب الخشبي ببطء. لم يصدر صريراً، بل انفتح بصمت مريب ليكشف عن ممر ضيق ينحدر إلى الأسفل، تنبعث منه رائحة تراب رطب وزيت قديم.

على جدران الممر، شموع تضاء تلقائياً كلما تقدمتُ خطوة. في نهايته، وجدتُ غرفة دائرية لا تشبه شيئاً رأيته في البيت: جدرانها مغطاة بخرائط غريبة لنجوم لا وجود لها في سمائنا، وفي المنتصف، مرآة كبيرة لا تعكس صورتي، بل تُظهر مشهداً آخر: أنا نفسي، لكن بشعر أبيض وعينين غائرتين، أقف في نفس الغرفة وأحدق إليّ بابتسامة حزينة.

المرآة تحدثت بصوتي، لكنه مشوّه كأنه يمر عبر ماء عميق: “أنت وصلتَ أخيراً. نحن نعيش في اللحظات التي ضاعت منك… الفرص التي لم تغتنمها، الكلمات التي لم تقلها، الوداعات التي لم تكتمل. كل ظل هنا هو نسخة منك تعيش في زمن بديل”.

رفعتُ يدي لألمس الزجاج البارد. في تلك اللحظة، رأيتُ خلف ظلي في المرآة يداً شاحبة تمتد نحوي من العمق…

الثمن الذي لا يُرى

انسحبتُ مسرعاً، أغلقتُ الباب الخشبي وأحكمتُ إغلاقه بألواح خشبية. لكن الغرفة لم تعد كما كانت. الآن، كل ظل في البيت يتحرك بعكس حركتي. عندما أمرّ أمام المرآة، يظل ظلي ثابتاً لثوانٍ بعد اختفائي. وأخطر من ذلك: بدأتُ أسمع همسات في وضح النهار، تأتي من فمي دون أن أنطق: “لماذا هربت؟ نحن جزء منك… سنعود قريباً”.

بحثتُ في أرشيف البلدية عن تاريخ البيت. اكتشفتُ الحقيقة المروعة: كل ساكن عاش هنا لأكثر من ثلاثة أشهر اختفى دون أثر. السيدة ليلى لم تمت طبيعية—اختفت من سريرها ذات ليلة، تاركة وجبة عشاء دافئة على الطاولة. التاجر الذي بناه؟ اختفى بعد أسبوع من اكتمال البناء، تاركاً ثروته خلفه.

إقرأ أيضا ..  "باولا وايت: القسيسة الغامضة وتأثيرها في حياة ترامب الروحية والسياسية"

البيت ليس مسكوناً بالأشباح… إنه بوابة. بوابة تفتح عندما يضعف إيمان الساكن بواقعه، فتتسلل إليه “الظلال”—النسخ البديلة من نفسه التي عاشت اختيارات مختلفة. وكلما طال بقاء الإنسان هنا، ضعف حاجزه بين العالمين، حتى يذوب في أحد هذه الظلال، ويصبح هو الظل الذي ينتظر الضحية التالية.

المواجهة التي لا تنتهي

اليوم هو اليوم الثمانون لي في دار الظلال. أكتب هذه السطور وأنا أعلم أن الوقت ينفد. الظلال لم تعد تنتظر الليل—أراها الآن تتحرك في وضح النهار، تقترب مني ببطء. عيناي في المرآة لم تعد عينيّ تماماً… هناك بريق غريب فيهما.

لكنني اكتشفتُ سراً أخيراً في دفتر السيدة ليلى، مكتوباً بخط صغير خلف الغلاف: “الباب لا يُغلق بالخشب… يُغلق بالاختيارات. كل قرار شجاع تتخذه هنا يقوي حاجز الواقع. اختر أن تعيش. اختر أن تبقى. هذا هو السحر الوحيد الذي يخشاه الظلال”.

سمعتُ طرقاً على الباب الخشبي للتو. ثلاث نقرات… توقف… ثلاث نقرات. لكن هذه المرة، لم أخف. أمسكتُ بقلمي وكتبتُ على ورقة بيضاء: “أختار أن أبقى يوسف. أختار أن أعيش في عالمي. اذهبوا!”.

الطرق توقف. لكنني أعرف أنها هدنة مؤقتة. الظلال لا تموت… تنتظر. والسؤال الذي يطاردني الآن: هل ما أكتبه هنا حقيقي؟ أم أنني مجرد ظل يروي قصة ظل، في انتظار أن يفتح قارئ ما باباً خشبياً صغيراً في بيت قديم، ليبدأ الدوران مجدداً؟

مدون في موقع Tashwiq: عالم القصص الرائع والمشوق

مدون في موقع Tashwiq: عالم القصص الرائع والمشوق

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *