اللؤلؤة المفقودة

اللؤلؤة المفقودة

كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً حين ارتفعت صرخة السيدة فاطمة في قاعة الفندق الكبرى.

“اللؤلؤة! لؤلؤتي اختفت!”

توقفت الموسيقى فجأة. التفت الجميع نحوها. كانت تقف في منتصف القاعة، وجهها شاحب، ويدها على عنقها العاري.

اقترب منها المدير سريعاً.

“ماذا حدث يا سيدتي؟”

“عقد اللؤلؤ! كان هنا منذ دقائق!”

كانت فاطمة ترتدي فستاناً أسود أنيقاً. العقد الذي تتحدث عنه يساوي ثروة. لؤلؤة نادرة في وسطه، ورثتها عن جدتها.

نظر المدير حوله بقلق. كانوا ثمانية أشخاص فقط في القاعة المغلقة. حفل خاص. عشاء فاخر.

“لا أحد يغادر!” قال بصوت حازم.

جلس الجميع حول الطاولة الطويلة. الأبواب مغلقة. النوافذ محكمة.

كان المدير رجلاً في الخمسين، اسمه كريم، يملك الفندق منذ عشرين عاماً. وقف أمامهم وبدأ بالكلام:

“أحدكم أخذ العقد. لن يخرج أحد حتى نجده.”

نظرت فاطمة إلى الحاضرين بعيون دامعة. كانوا سبعة غيرها:

ليلى – صديقتها المقربة منذ الطفولة. ترتدي فستاناً أزرق بسيطاً. تبدو متوترة.

يوسف – ابن أخيها الشاب. يعمل في البورصة. دائماً يحتاج للمال.

نادية – الخادمة التي تعمل في الفندق. امرأة في الأربعين، صامتة معظم الوقت.

حسن – الطباخ. رجل ضخم بشارب كثيف. كان يدخل ويخرج لتقديم الطعام.

سامي – عازف البيانو. شاب في العشرينات، عيناه حزينتان.

منى – صحفية جاءت لتغطية الحفل. تحمل دفتراً صغيراً.

ثم كريم المدير نفسه.

قال كريم: “سأفتش القاعة أولاً.”

بدأ بالبحث تحت الطاولات، خلف الستائر، في زوايا الغرفة. لا شيء.

قالت منى الصحفية: “ربما سقط العقد في مكان ما.”

“مستحيل!” ردت فاطمة. “كان مربوطاً بإحكام. أحدكم فكّه من عنقي!”

جلس كريم على كرسي وبدأ يسأل كل واحد على حدة.

بدأ مع ليلى.

“أين كنتِ قبل الصرخة؟”

“كنت أتحدث مع فاطمة نفسها! سألها عن العقد، قالت إنه أصلي من القرن الماضي.”

“هل لمستِه؟”

احمر وجه ليلى. “لمسته فقط! لم آخذه!”

انتقل إلى يوسف.

“أنت بحاجة للمال، أليس كذلك؟”

ابتسم يوسف ابتسامة باردة. “الجميع يعرف ذلك. لكنني لا أسرق من عمتي.”

“أين كنت بالضبط؟”

“عند النافذة. أدخن سيجارة.”

“في قاعة مغلقة؟”

“اعتدت على ذلك.”

ثم سأل نادية الخادمة.

كانت عيناها على الأرض. “كنت أجمع الأطباق الفارغة.”

“هل اقتربتِ من السيدة فاطمة؟”

“مررت بجانبها مرتين.”

“مرتين؟”

“نعم. لأخذ الأطباق.”

شعر كريم بالشك. لماذا مرتين؟

فجأة، صاح سامي عازف البيانو:

“انتظروا! رأيت شيئاً!”

التفت الجميع إليه.

“رأيت يد تمتد نحو عنق السيدة فاطمة.”

صمت رهيب.

“متى؟” سأل كريم.

“قبل الصرخة بدقائق. كنت أعزف. رفعت رأسي ورأيت يداً.”

“يد من؟”

تردد سامي. “لم أرَ صاحبها. كان الضوء خافتاً. رأيت اليد فقط.”

“يا إلهي!” قالت منى. “معنى هذا أن السارق بيننا حقاً!”

نظر الجميع لبعضهم بريبة.

قال حسن الطباخ بصوت عميق: “ربما سامي نفسه هو السارق. يحاول تضليلنا.”

إقرأ أيضا ..  "قصة تيد بندي: أشهر قاتل متسلسل في العالم"

“أنا؟!” قفز سامي من مكانه. “أنا أخبرتكم بما رأيت!”

“أو تخترع قصة لتبرئ نفسك.”

بدأت الأصوات ترتفع. الاتهامات تتطاير.

صرخ كريم: “هدوء!”

قال كريم: “سأفتش كل واحد منكم.”

اعترضت ليلى: “هذا مهين!”

“اللؤلؤة أهم من كبريائك.”

واحداً تلو الآخر، فتش كريم جيوبهم وحقائبهم. بدأ مع يوسف.

جيوبه فارغة إلا من محفظة ومفاتيح.

ثم ليلى. حقيبتها تحتوي على أحمر شفاه ومحفظة صغيرة.

نادية لا تحمل شيئاً. جيوب الزي الموحد فارغة.

حسن الطباخ. في جيبه سكين صغير ومنديل.

سامي. في جيبه ورقة نقدية واحدة.

منى الصحفية. دفترها وقلمها فقط.

فتش كريم نفسه أمامهم. لا شيء.

قالت فاطمة بيأس: “أين ذهب العقد إذن؟”

نظرت منى حولها بعينين ذكيتين. “القاعة صغيرة. الأبواب مغلقة. العقد هنا بالتأكيد.”

طلب كريم من الجميع الوقوف. بدأ بتفتيش القاعة بدقة أكبر.

فتش خلف اللوحات. تحت السجاد. داخل البيانو.

لا شيء.

فجأة، انحنى حسن الطباخ والتقط شيئاً من الأرض.

“ماذا وجدت؟” سأل كريم بسرعة.

فتح حسن يده. خيط حريري أبيض.

قالت فاطمة: “هذا… هذا خيط العقد!”

أخذ كريم الخيط. فحصه بعناية. “قُطع بشيء حاد.”

نظر إلى حسن. “لديك سكين.”

ابتسم حسن ببرود. “أنا طباخ. بالطبع لدي سكين.”

“لكن لماذا تحمله هنا؟”

“اعتياد. دائماً في جيبي.”

قالت ليلى: “ربما هو من قطع العقد!”

“لماذا أفعل؟ لا أعرف السيدة فاطمة حتى!”

قال يوسف: “الطمع لا يحتاج معرفة.”

ارتفع صوت حسن: “أنت تتهمني؟ أنت من يحتاج المال!”

“اخرس أيها الطباخ!”

قفز الاثنان نحو بعضهما.

أمسك كريم بحسن من كتفه. أمسكت ليلى بيوسف.

“توقفوا! هذا لن يحل شيئاً!”

جلس الاثنان وهما يلهثان.

قالت منى بهدوء: “الخيط يعني أن السارق قطع العقد بسرعة. لم يفكه بلطف.”

“يعني كان متعجلاً.”

“أو خائفاً من أن تشعر به السيدة فاطمة.”

فكرت فاطمة. “لم أشعر بشيء. كنت أضحك مع ليلى.”

“متى شعرتِ بفقدانه؟”

“حين رفعت يدي لألمسه. لم أجده.”

“لماذا رفعتِ يدك؟”

“شعرت بخفة في عنقي. شيء غريب.”

سأل كريم: “منذ كم دقيقة؟”

“خمس دقائق تقريباً.”

“يعني السارق أخذه قبل خمس دقائق فقط.”

نظر للجميع. “أين كان كل واحد منكم قبل خمس دقائق بالضبط؟”

بدأ كل واحد يتذكر.

قالت ليلى: “كنت مع فاطمة. نتحدث عن الموضة.”

يوسف: “عند النافذة كما قلت.”

نادية: “في المطبخ الصغير الملحق. أحضر الحلوى.”

حسن: “كنت معها. نحضر الحلوى معاً.”

سامي: “أعزف على البيانو.”

منى: “أكتب ملاحظات في دفتري.”

كريم: “كنت أتحدث في الهاتف. عند الباب.”

قالت منى: “نادية وحسن كانا في المطبخ معاً؟”

نظر الاثنان لبعضهما. أومأت نادية بصمت.

“هل يمكن أن تكونا متواطئين؟”

قفزت نادية: “لا! أنا لم أفعل شيئاً!”

قال حسن بهدوء: “هي تكذب. لم تكن معي طوال الوقت.”

إقرأ أيضا ..  اختفاء القطار رقم 17 – الرحلة التي لم تنتهِ أبدًا

اتسعت عينا نادية. “ماذا؟!”

“خرجتِ من المطبخ لدقيقتين. قلتِ تريدين شرب ماء.”

صمتت نادية. وجهها أحمر.

قال كريم بحزم: “أنتِ كذبتِ. لماذا؟”

بدأت نادية ترتجف. “أنا… أنا خفت.”

“خفتِ من ماذا؟”

دموع في عينيها. “خفت أن تتهموني. أنا فقيرة. أعمل خادمة. دائماً يتهمون الفقراء.”

“أين ذهبتِ في الدقيقتين؟”

“إلى دورة المياه. شربت ماء وعدت.”

سأل كريم حسن: “هل هذا صحيح؟ دقيقتان فقط؟”

“ربما ثلاث. لا أتذكر بدقة.”

قالت منى: “ثلاث دقائق كافية لقطع العقد وإخفائه.”

صرخت نادية: “لكنني لم أفعل! فتشوني! لم تجدوا شيئاً!”

كان هذا صحيحاً. كريم فتشها ولم يجد العقد.

قال كريم: “إذن أين أخفيتِه؟”

“لم أخفِ شيئاً!”

فجأة، قال سامي بصوت خافت:

“أنا… أنا أعترف.”

صمت مطبق.

استدار الجميع نحوه. كان يجلس على كرسي البيانو، رأسه منحنٍ.

“أنا من أخذ العقد.”

وقفت فاطمة. “أنت؟!”

رفع سامي رأسه. عيناه تلمعان بالدموع. “نعم. أنا آسف.”

تقدم كريم منه. “أين العقد؟”

“لا أعرف.”

“ماذا تعني؟”

“أخذته، لكنني لا أعرف أين هو الآن.”

قال يوسف: “هذا لا معنى له!”

شهق سامي. “استمعوا لي. أخذت العقد فعلاً. قطعته بسرعة. كنت أحتاج المال لعملية أمي. هي مريضة. لم أجد طريقة أخرى.”

صمت الجميع.

“وضعته في جيبي. لكن حين فتشني السيد كريم… لم أجده!”

“كيف؟”

“لا أعرف! اختفى من جيبي!”

نظر الجميع لبعضهم بحيرة.

قالت منى: “يعني أحدهم سرقه منك؟”

“لا أحد اقترب مني!”

قال كريم: “هذا جنون. سارق يسرق من سارق؟”

فكرت ليلى بصوت عالٍ: “ربما سقط من جيبك.”

نظر الجميع للأرض. بدأوا بالبحث مرة أخرى.

تحت الكراسي. خلف الستائر. في كل مكان.

لا شيء.

قالت فاطمة بإحباط: “هذا مستحيل! عقد لا يختفي هكذا!”

جلست على كرسي. وضعت رأسها بين يديها.

فجأة، رفعت رأسها. “انتظروا!”

“ماذا؟”

“الحلوى! نادية وحسن كانا يحضران الحلوى!”

نظر الجميع للطاولة. صحن كبير من الحلوى العربية. معمول بالتمر.

قال حسن: “تظنين أننا وضعناه في الحلوى؟”

“لماذا لا؟ مكان مثالي للإخفاء!”

تقدم كريم من صحن الحلوى. أخذ قطعة قطعة يفحصها.

كسرها. لا شيء بداخلها.

فحص كل القطع. عشرون قطعة معمول.

كلها عادية. لا عقد بداخلها.

قال يوسف: “فكرة سخيفة.”

قالت ليلى: “لكنه يجب أن يكون في مكان ما!”

قالت منى فجأة: “ماذا عن الموسيقى؟”

“الموسيقى؟”

“البيانو. سامي كان يعزف. ربما أخفاه داخل البيانو.”

اقترب كريم من البيانو. فتح الغطاء. نظر للداخل.

الأوتار. المطارق. الآليات المعقدة.

لا عقد.

قال سامي بحزن: “أخبرتكم. لا أعرف أين ذهب.”

جلس الجميع صامتين. ساد اليأس.

فجأة، وقفت نادية.

“أنا… أريد أن أقول شيئاً.”

نظر الجميع إليها.

كانت يداها ترتجفان. “أنا رأيت سامي.”

“رأيتِه يأخذ العقد؟”

“نعم. كنت خارجة من دورة المياه. رأيته يقترب من السيدة فاطمة. يده تمتد. ثم يسحبها بسرعة.”

إقرأ أيضا ..  رحلة أنجلينا جولي: من النجومية إلى الإنسانية

“لماذا لم تخبرينا؟!”

“خفت. خفت أن تتهموني أنا. قلت سأصمت.”

قال كريم: “هذا يؤكد أن سامي هو السارق. لكن أين العقد؟”

فكرت منى. “ربما رماه من النافذة.”

ذهبوا للنافذة. فتحوها. نظروا للأسفل.

حديقة مظلمة. أشجار كثيفة.

قال يوسف: “مستحيل أن نجده الليلة.”

فجأة، ضحك حسن. ضحكة عالية غريبة.

التفت الجميع نحوه.

“أيها الحمقى!”

وقف حسن في وسط القاعة. عيناه تلمعان بشراسة.

“كلكم حمقى! تبحثون عن عقد في كل مكان خاطئ!”

قال كريم: “ماذا تعني؟”

مد حسن يده إلى فمه. أخرج شيئاً صغيراً لامعاً.

اللؤلؤة!

صرخت فاطمة: “يا إلهي!”

كان حسن قد ابتلع اللؤلؤة!

ضحك مرة أخرى. “رأيتها تسقط من جيب سامي حين انحنى. التقطتها بسرعة. وضعتها في فمي.”

“أنت مجنون!”

“مجنون؟ أنا ذكي! من يبحث في فم إنسان؟”

تقدم كريم منه. “أعطني اللؤلؤة.”

“لا!”

ابتلعها حسن مرة أخرى!

“الآن في معدتي. لن تحصلوا عليها!”

قفز يوسف على حسن. أمسكه من رقبته.

“اتركني!” صرخ حسن.

انضم كريم وسامي. حاولوا إمساكه.

لكن حسن كان قوياً. دفعهم بعيداً.

جرى نحو الباب.

لكن الباب مغلق بالمفتاح. والمفتاح مع كريم.

استدار حسن. ظهره للباب.

قال بشراسة: “ابتعدوا! أو سأؤذي أحدكم!”

أخرج السكين من جيبه.

صرخت النساء.

قال كريم بهدوء: “حسن، هذا خطأ. لن تخرج من هنا.”

“سأخرج! أعطني المفتاح!”

“لا.”

تقدم حسن خطوة، السكين في يده.

فجأة، رمت منى دفترها نحو وجهه.

تشتت انتباه حسن للحظة.

قفز كريم وسامي ويوسف عليه معاً.

سقط السكين.

أمسكوه بقوة.

بعد ساعة، وصلت الشرطة.

أخذوا حسن. سيذهب للمستشفى أولاً لاستخراج اللؤلؤة من معدته.

جلست فاطمة مع الباقين. كانت متعبة لكن مرتاحة.

قالت لسامي: “أنت سرقت العقد. لكنك اعترفت.”

نظر سامي للأرض. “أنا آسف. كنت يائساً.”

“أمك مريضة؟”

“نعم. تحتاج عملية قلب.”

صمتت فاطمة. ثم قالت: “سأساعدك.”

رفع سامي رأسه بدهشة. “ماذا؟”

“سأدفع ثمن العملية. لكن بشرط.”

“أي شرط؟”

“أن تتوقف عن السرقة. للأبد.”

بكى سامي. “أعدك. أعدك.”

قالت ليلى: “أنتِ طيبة يا فاطمة.”

“الحياة قاسية. لكن يجب أن نساعد بعضنا.”

نظرت لنادية. “وأنتِ، آسفة لأننا شككنا فيك.”

ابتسمت نادية بخجل. “أنا اعتدت ذلك.”

قال كريم: “درس لنا جميعاً. الجريمة تحدث حيث لا نتوقع.”

“والسارق قد يُسرق منه.”

“والحقيقة تظهر دائماً، مهما حاولنا إخفاءها.”


نظرت منى لدفترها. كتبت العنوان:

ابتسمت. ستكون قصة رائعة للصحيفة غداً.

خرج الجميع من الفندق. الليل هادئ. النجوم تلمع.

كانت ليلة غريبة. ليلة لن ينساها أحد.

لكنهم تعلموا شيئاً مهماً:

في عالم مليء بالطمع والخوف، اللطف والعفو هما أغلى من أي لؤلؤة.

النهاية

مدون في موقع Tashwiq: عالم القصص الرائع والمشوق

مدون في موقع Tashwiq: عالم القصص الرائع والمشوق

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *